محمد بن جرير الطبري

231

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيانهن في فروجهن من قبل أدبارهن . فقد تبين إذا إذ كان الأَمر على ما وصفنا فساد تأويل من قال ذلك : فأتوهن في فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهن في حال حيضهن ، وصحة القول الذي قلناه ، وهو أن معناه : فأتوهن في فروجهن من الوجه الذي أذن الله لكم بإتيانهن ، وذلك حال طهرهن وتطهرهن دون حال حيضهن . القول في تأويل قوله عز دكره : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ المنيبين من الإِدبار عن الله وعن طاعته إليه وإلى طاعته وقد بينا معنى التوبة قبل . واختلف في معنى قوله : وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فقال بعضهم : هم المتطهرون بالماء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا طلحة ، عن عطاء قوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ قال : التوابين من الذنوب ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ قال : المتطهرين بالماء للصلاة . حدثني أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا طلحة ، عن عطاء ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب لم يصيبوها وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ بالماء للصلاة . وقال آخرون : معنى ذلك إن الله يحب التوابين من الذنوب ، ويحب المتطهرين من أدبار النساء أن يأتوها . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا إبراهيم بن نافع ، قال : سمعت سليمان مولى أم علي ، قال : سمعت مجاهد ا يقول : من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين . وقال آخرون : معنى ذلك : " ويحب المتطهرين " من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة بها . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب لم يصيبوها ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ من الذنوب : لا يعودون فيها . وأولى الأَقوال في ذلك بالصواب قول من قال : إن الله يحب التوابين من الذنوب ، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة ؛ لأَن ذلك هو الأَغلب من ظاهر معانيه . وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر أمر المحيض ، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها في جاهليتهم ، من تركهم مساكنة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها ، وأشياء غير ذلك مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده . فلما استفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أوحى الله تعالى إليه في ذلك ، فبين لهم ما يكرهه مما يرضاه ويحبه ، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته ، تائبا مما يكرهه . وكان مما بين لهم من ذلك أنه قد حرم عليهم إتيان نسائهم وإن طهرن من حيضهن حتى يغتسلن ، ثم قال : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فإن الله يحب المتطهرين ، يعني بذلك المتطهرين من الجنابة والأَحداث للصلاة ، والمتطهرات بالماء من الحيض والنفاس والجنابة والأَحداث من النساء . وإنما قال : ويحب المتطهرين ، ولم يقل المتطهرات ، وإنما جرى قبل ذلك ذكر التطهر للنساء ؛ لأَن ذلك بذكر المتطهرين يجمع الرجال والنساء ، ولو ذكر ذلك بذكر المتطهرات لم يكن للرجال في ذلك حظ ، وكان للنساء خاصة ، فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميع عباده المكلفين ، إذ كان قد تعبد جميعهم بالتطهر بالماء ، وإن اختلفت الأَسباب التي توجب التطهر عليهم بالماء في بعض المعاني واتفقت في بعض . القول في تأويل قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم مزدرع أولادكم ، فأتوا مزدرعكم كيف شئتم ، وأين شئتم . وإنما عنى بالحرث المزدرع ، والحرث هو الزرع ، ولكنهن لما كن من أسباب الحرث جعلن حرثا ، إذ كان مفهوما معنى الكلام . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .